ابن تيمية
67
مجموعة الفتاوى
وَكَمَا يَزْعُمُ الْفَارَابِيُّ : أَنَّ الْفَيْلَسُوفَ أَكْمَلُ مِن النَّبِيِّ ؛ وَإِنَّمَا خَاصَّةُ النَّبِيِّ جَوْدَةُ التَّخْيِيلِ لِلْحَقَائِقِ ؛ إلَى أَنْوَاعٍ مِن الزَّنْدَقَةِ وَالْكُفْرِ يَلْتَحِقُونَ فِيهَا بالْإِسْمَاعِيلِيَّة ؛ وَالْنُصَيْرِيَّة ؛ وَالْقَرَامِطَةِ ؛ وَالْبَاطِنِيَّةِ ؛ وَيَتَّبِعُونَ فِرْعَوْنَ ؛ والنمروذ وَأَمْثَالَهُمَا مِن الكَافِرِينَ بِالنُّبُوَّاتِ أَوْ النُّبُوَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ . وَهَذَا كَثِيرٌ جِدّاً فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَسَبَبُ ذَلِكَ عَدَمُ أَصْلٍ فِي قُلُوبِهِمْ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَالرَّسُولِ . فَإِنَّ هَذَا الْأَصْلَ إنْ لَمْ يَصْحَبْ النَّاظِرَ وَالْمُرِيدَ وَالطَّالِبَ فِي كُلِّ مَقَامٍ . وَإِلَّا خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً وَحَاجَتُهُ إلَيْهِ كَحَاجَةِ الْبَدَنِ إلَى الْغِذَاءِ أَوْ الْحَيَاةِ إلَى الرُّوحِ . فَالْإِنْسَانُ بِدُونِ الْحَيَاةِ وَالْغِذَاءِ لَا يَتَقَوَّمُ أَبَداً وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَلَّمَ وَلَا أَنْ يُعَلِّمَ . كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ بِدُونِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنَالَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَلَا الْهِدَايَةَ إلَيْهِ وَبِدُونِ اهْتِدَائِهِ إلَى رَبِّهِ : لَا يَكُونُ إلَّا شَقِيّاً مُعَذَّباً وَهُوَ حَالُ الْكَافِرِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَعَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ إذَا نَظَرَ وَاسْتَدَلَّ : كَانَ نَظَرُهُ فِي دَلِيلٍ وَبُرْهَانٍ - وَهُوَ ثُبُوتُ الرُّبُوبِيَّةِ وَالنُّبُوَّةِ - وَإِذَا تَجَرَّدَ وَتَصَفَّى كَانَ مَعَهُ مِن الإِيمَانِ مَا يَذُوقُهُ بِذَلِكَ وَيَجِدُهُ . ثُمَّ هَذَا النَّظَرُ وَهَذَا الذَّوْقُ يَجْتَلِبُ لَهُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَالِمِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْمَوَاجِيدِ الْإِلَهِيَّةِ . وَالْعِلْمُ وَالْوَجْدُ مُتَلَازِمَانِ . وَذَلِكَ : أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ : عَرَفُوا اللَّهَ بِالْوَحْيِ الْمَعْرِفَةَ الَّتِي هِيَ مَعْرِفَةٌ وَعَبَدُوهُ الْعِبَادَةَ الَّتِي هِيَ حَقٌّ لَهُ بِحَسَبِ مَا مَنَحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى . وَهُمْ دَرَجَاتٌ فِي ذَلِكَ ؛ لَكِنْ عَرَفُوا مِنْ خُصُوصِ الرُّبُوبِيَّةِ مَا لَا يَقُومُ بِهِ